ابن النفيس
18
الشامل في الصناعة الطبية
بأفضل منه في الشام ، فقد آذنت شمسُ الأندلس بالمغيب ، وتهدَّدت بلاد المغرب ووَهَنَ منها عَظْمُ المجد والسلطان ، فصارت نهباً لأطماع - وحملات - الإسبان وأحقادهم التاريخية ، مما دفع ببلاد المغرب إلى ناحية الانزواء الحضارى . وفي العقود الأخيرة من القرن السابع الهجري ، وجدت القاهرة نفسها وحيدةً ، وسط عالمٍ يرتجُّ ؛ فالمشرقُ الإسلامي - بلاد فارس وما بعدها - لا يزال يترنَّح من عنف الضربات المغولية ، التي توالت طيلة خمسين سنة ، ابتدأت بخروج جنكيز خان للثأر من محمد خوارزمشاه ، وانتهت بتأسيس الدولة الإسلامية المغولية على يد بركة خان حفيد جنكيز خان ، زعيم القبيلة الذهبية ، بعد انكسار ابن عمه هولاكو على يديه . . والمغربُ الإسلامي كان قد انزوى ، وصار منطقة طردٍ حضارىٍّ واجتماعي ، وفزع منه الناسُ إلى مصر والشام ، مثلما التجأ العلماءُ والصوفية ؛ أمثال : ابن عربى ، التلمساني ، الششتري ، الشاذلي ، المرسى . ومِن قبلهم : موسى بن ميمون الطبيب الفيلسوف ، ابن البيطار العَشَّاب المعروف وغيرهما . جاء هؤلاء من المغرب إلى مصر ، من الشام جاءها - في حدود سنة ثلاثين وستمائة - علاءُ الدين القرشي . وكان على مصر وهي الحاضرة الإسلامية الوحيدة التي ظلت مزدهرة ، أن تقوم بدور كبير لإنقاذ الكيان الحضارى العربي / الإسلامي ، فتعيَّن عليها عسكرياً صَدَّ فلول المغول وجحافل الصليبيين . كما تعيَّن عليها سياسياً إحياء الخلافة الإسلامية ، ولو كان إحياءً رمزياً . كما تعيَّن عليها اجتماعياً واقتصادياً أن تستوعب الهجرات الوافدة عليها من المغرب ، ومن العراق والشام . وأدَّت مصرُ ما عليها في ذلك كله ، حتى دخل القرن الثامن الهجري ، وقد استتبَّ الحال في مصر ، وصارت القاهرة - آنذاك - أهم مركز حضارى في العالم الإسلامي ، وأكثر العواصم العربية أمناً وازدهاراً . . حتى أن ابن خلدون ، كتب